أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

8

شرح مقامات الحريري

قال ابن رشيق : ومن أملح ما سمعه الناس في تفضيل البادية على الحاضرة من حلاوة وطلاوة وصحّة معنى ، وقرب مأخذ ، مأخوذ من قول أبي الطيب : [ البسيط ] من الجآذر في زيّ الأعاريب * حمر الحلى والمطايا والجلابيب « 1 » ثم قال : [ البسيط ] ما أوجه الحضر المستحسنات به * كأوجه البدويّات الرّعابيب حسن الحضارة مجلوب بتطرية * وفي البداوة حسن غير مجلوب أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها * مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب ولا برزن من الحمّام مائلة * أوراكهنّ صقيلات العراقيب ومن هوي كلّ من ليست مخضّبة * تركت لون مشيبي غير مخضوب فلو لم تفضل البادية إلا بهذا ، لكان فيه مقنع . * * * فلمّا أجبنا مناديه ، وحللنا ناديه ، أحضر من أطعمة اليد واليدين ، ما حلا في الفم وحلي في العين . ثمّ قدّم جاما ، كأنّما جمد من الهواء ، أو جمع من الهباء ، أو صيغ من نور الفضاء ، أو قشر من الدّرّة البيضاء ، وقد أودع لفائف النّعيم ، وضمّخ بالطّيب العميم ، وسيق إليه شرب من تسنيم ، وسفر عن مرأى وسيم ، وأرج نسيم . فلمّا اضطرمت بمحضره الشّهوات ، وقرمت إلى مخبره اللّهوات ، وشارف أن تشنّ على سربه الغارات ، وينادى عند نهبه : يا للثّارات ! نشز أبو زيد كالمجنون ، وتباعد عنه تباعد الضّبّ من النّون ، فراودناه على أن يعود ، وألّا يكون كقدار في ثمود . * * * قوله : « ناديه » أي مجلسه . وطعام اليد : الثريد ونحوه . وطعام اليدين : الدجاج الصحاح والشواء ونحو ذلك ، وكانت وليمة في الأنصار ، فحضرها حسان بن ثابت ، وقد كفّ بصره ، ومعه ابنه عبد الرحمن ، فلما وضع الطعام ، جيء بالثريد ، قال حسان لابنه : يا بني ، أطعام يد أم طعام يدين ؟ قال : بل طعام يد . فأكل ، ثم جيء بالشواء ، فقال مثل ذلك ، فقال : بل طعام يدين فأمسك . حلا : طاب ، حلي : حسن ، وحلا في الفم ، من الحلاوة ، وحلي في العين من الحلي المتزيّن به .

--> ( 1 ) الأبيات في ديوان المتنبي 1 / 129 .